شهد الاقتصاد المصري تحولًا جذريًا منذ ثورة 30 يونيو، حيث نجحت البلاد في إعادة رسم خريطة اقتصادها من خلال تحقيق إنجازات نوعية في مختلف القطاعات الاقتصادية والتنموية. وأكد نديم سمنة، عضو الجمعية المصرية للاستثمار المباشر وأموال المخاطرة، أن هذه المرحلة تمثل نقلة نوعية تعكس رؤية استراتيجية لبناء اقتصاد قوي قادر على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
قفزات نوعية في مؤشرات الاقتصاد والاستثمار
تحول الاقتصاد المصري من الاعتماد على الاستهلاك والواردات إلى اقتصاد منتج ومُصدر، حيث ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى أكثر من 50 مليار دولار، بينما وصلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى نحو 46.6 مليار دولار، ما يعكس ثقة متزايدة للمستثمرين في السوق المصرية. كما شهد القطاع الصناعي طفرة غير مسبوقة، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي جذبت استثمارات بقيمة 6.3 مليار دولار عبر 155 مشروعًا خلال أقل من 14 شهرًا.
كما تجاوز إنتاج السيارات المحلي واردات السوق لأول مرة منذ عقود خلال النصف الأول من عام 2025، فيما انخفضت واردات الهواتف المحمولة بنسبة 97% من 1.8 مليار دولار إلى 54 مليون دولار فقط. وارتفعت صادرات قطاع تكنولوجيا المعلومات إلى 4.8 مليار دولار، وبلغت صادرات المنسوجات 1.1 مليار دولار، بينما قفزت صادرات الذهب والمعادن الثمينة بنسبة 157%، إلى جانب توسع في استغلال الرمال السوداء وإنشاء مصانع لاستخراج المعادن الاستراتيجية وتصنيع الكوارتز عالي النقاء.
تطورات قطاعات حيوية وبنية تحتية متقدمة
شهد قطاع الدواء توسعًا ملحوظًا بزيادة عدد المصانع من 130 مصنعًا عام 2015 إلى 170 مصنعًا حاليًا، مع تحقيق الاكتفاء الذاتي بنسبة 97% من الأدوية الأساسية. وفي مجال الطاقة، رفعت مصر قدراتها الكهربائية بنسبة 33%، مضيفة 3 جيجاوات من طاقة الرياح و2.8 جيجاوات من الطاقة الشمسية، مع تنفيذ مشروعات لتصدير ما يصل إلى 10 جيجاوات من الكهرباء إلى دول الجوار، مما يعزز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة.
كما كانت مشروعات البنية التحتية محركًا رئيسيًا للتنمية، حيث ارتفعت إيرادات قناة السويس إلى 9.4 مليار دولار عام 2023 مقارنة بـ5.3 مليار دولار قبل عشر سنوات. وتقدمت مصر 100 مركز في مؤشر جودة الطرق لتصل إلى المركز الثامن عشر عالميًا، بعد تنفيذ 6300 كيلومتر من الطرق الجديدة وتطوير 8400 كيلومتر، وإنشاء 945 كوبريًا ونفقًا، إلى جانب تطوير 14 ميناءً وإنشاء 9 موانئ جديدة، ورفع الطاقة الاستيعابية للموانئ إلى 40 مليون حاوية سنويًا.
تعزيز الأمن الغذائي والتنمية البشرية
حققت مصر خطوات واسعة في تعزيز الأمن الغذائي من خلال استصلاح مساحات زراعية جديدة والاستفادة من محطة الحمام لمعالجة المياه بطاقة 7.5 مليون متر مكعب يوميًا، إضافة إلى مشروع توشكى الذي أضاف أكثر من 2100 كيلومتر مربع للأراضي الزراعية، وارتفاع إنتاج الثروة السمكية إلى مليوني طن سنويًا. كما تم التركيز على التنمية البشرية بإنشاء أكثر من 129 ألف فصل دراسي جديد، وزيادة عدد الجامعات إلى 108، واستفادة نحو 18 مليون مواطن من مبادرة "حياة كريمة"، ووصول برنامج "تكافل وكرامة" إلى 17 مليون مواطن.
وفي القطاع الصحي، نجحت مصر في خفض معدلات الإصابة بفيروس الالتهاب الكبدي "سي" من حوالي 10% إلى 0.38%، بعد فحص أكثر من 60 مليون مواطن وعلاج 4.1 مليون مريض.
آفاق مستقبلية للتنمية المستدامة
أكد نديم سمنة أن ما تحقق منذ 30 يونيو ليس مجرد إنجازات مؤقتة في البنية التحتية والاقتصاد، بل تأسيس لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة. وأشار إلى أن المشروعات الكبرى الجاري تنفيذها، مثل القطار الكهربائي السريع، محطة الضبعة النووية، مشروعات الهيدروجين الأخضر، ورأس الحكمة، تمثل امتدادًا لمسيرة البناء وتعزز قدرة الاقتصاد المصري على المنافسة إقليميًا ودوليًا خلال الأعوام المقبلة.