شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في التشريعات الجنائية المصرية، حيث تبنى المشرع آلية التصالح كوسيلة فعالة لتخفيف العبء على المحاكم وإنهاء بعض المنازعات الجنائية ذات الطابع الشخصي أو المالي. ومع ذلك، لم يكن هذا الاتجاه مطلقًا، إذ فرضت القوانين ضوابط صارمة تمنع التصالح في عدد من الجرائم التي تمس النظام العام وأمن الدولة وسلامة المجتمع.
التصالح الجنائي وضوابطه القانونية
ينص قانون الإجراءات الجنائية المصري، خصوصًا المادة 18 مكرر أ، على إمكانية التصالح بين المجني عليه والمتهم، مما يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجنائية، حتى لو صدرت أحكام باتة. كما تأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة في حالة حدوث التصالح أثناء تنفيذها. ورغم أن التصالح حق قانوني، فقد قيد المشرع هذا الحق بشروط وضوابط محددة، مستثنيًا عددًا من الجرائم التي لا يجوز التصالح فيها نظرًا لتعديها على حقوق المجتمع ككل وليس فقط على حقوق الأفراد.
الجرائم المستثناة من التصالح
رصد تقرير موقع "برلماني" 34 جريمة لا يجوز التصالح فيها وفق القانون المصري، موزعة على 11 بابًا تشريعيًا. من أبرز هذه الجرائم الجرائم الإلكترونية وجرائم أمن الدولة، بالإضافة إلى جرائم تمس النظام العام وسلامة المجتمع. ويعكس هذا الاستثناء حرص المشرع على حماية المجتمع من الأفعال التي قد تهدد استقراره وأمنه، حيث إن الأصل في الدعوى الجنائية يتعلق بحق المجتمع في العقاب، ولا يملك الأفراد إسقاطها إلا إذا نص القانون على ذلك صراحة.
أهمية التمييز بين جرائم التصالح وغير التصالح
توضح الوقائع الأخيرة التي شهدت جدلاً واسعًا حول إمكانية التصالح في قضايا تتضمن بلطجة واستعراض قوة بحيازة أسلحة آلية، مدى أهمية الفصل القانوني بين الجرائم التي تسمح بالتصالح وتلك التي تستوجب الملاحقة الجنائية دون تهاون. ويؤكد الخبراء القانونيون أن التصالح لا يجوز في الجرائم التي تحمل تهديدًا مباشرًا للنظام العام أو أمن الدولة، حتى لو أبدى المجني عليه رغبته في الصلح، حفاظًا على المصلحة العامة وسلامة المجتمع.