تتجاوز بطولة كأس العالم لكرة القدم حدود المنافسة الرياضية لتصبح حدثًا اقتصاديًا ضخمًا يؤثر في مختلف القطاعات الاقتصادية للدول المستضيفة. وتشير البيانات الرسمية إلى أن إيرادات بيع التذاكر وخدمات الضيافة في النسخة الأخيرة من البطولة بلغت نحو 3 مليارات دولار، ما يعكس نموًا ملحوظًا مقارنة بالبطولة السابقة في قطر عام 2022.

الأثر الاقتصادي والتحديات المرتبطة بالاستضافة

تُبرز التجارب الدولية أن الفوائد الاقتصادية لاستضافة كأس العالم معقدة وتعتمد بشكل كبير على قدرة الدولة المضيفة في استثمار الفرص المتاحة. فقد أشار الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) إلى أن البطولة تسهم في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتوفير ما يقارب 824 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة عبر الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها. كما ارتفعت إيرادات الاتحاد بنسبة 18% بين بطولتي 2018 و2022، مع توقعات بزيادة تصل إلى 73% في الدورة الممتدة من 2023 إلى 2026، حيث من المتوقع أن تصل الإيرادات إلى نحو 13 مليار دولار.

قطاعات واستثمارات رئيسية مستفيدة من البطولة

تُعتبر السياحة المحرك الأساسي للعوائد المباشرة، حيث يؤدي تدفق الملايين من الزوار إلى زيادة الطلب على الإقامة والنقل والمطاعم والتسوق، مما ينشط الاقتصاد المحلي للدولة المضيفة. فعلى سبيل المثال، استقبلت قطر في 2022 نحو مليون زائر، بينما استقطبت الإمارات، وخصوصًا دبي، نسبة كبيرة من المشجعين المقيمين خارج قطر ضمن مجلس التعاون الخليجي. كما تشير التقديرات إلى أن بطولة 2026 قد تستقبل أكثر من 13.1 مليون زائر مع تسجيل أكثر من 21.3 مليون ليلة فندقية.

من جهة أخرى، شكلت مشروعات البنية التحتية محورًا رئيسيًا في الاستعداد للبطولات، حيث نفذت قطر بين 200 و300 مليار دولار في تطوير المنشآت والمرافق، بما في ذلك الملاعب التي كلفت نحو 6.5 مليار دولار. هذه الاستثمارات شملت تطوير شبكات النقل، المترو، والمطارات، ضمن رؤية وطنية لتعزيز مكانة الدولة على الصعيد الإقليمي والعالمي.

كما استفادت شركات الطيران، الفنادق، منصات الحجز الإلكتروني، شركات الملابس الرياضية، وشبكات البث والإعلان بشكل كبير من الطلب المرتفع خلال البطولة، بالإضافة إلى الشركاء التجاريين الذين سجلوا إيرادات قياسية بلغت 2.7 مليار دولار من الرعاية و670 مليون دولار من اتفاقيات الترخيص التجاري.

مخاطر وتحديات اقتصادية بعد انتهاء البطولة

رغم الفوائد الاقتصادية، تواجه الدول المضيفة تحديات كبيرة تتمثل في تجاوز التكاليف الفعلية للمشروعات التي قد تزيد بنسبة 172% عن التقديرات الأصلية. ويرجع ذلك إلى طبيعة الفعاليات التي تحتم الالتزام بالمواعيد النهائية، مما يدفع الجهات المنظمة لتحمل نفقات إضافية لضمان الجاهزية. بالإضافة إلى ذلك، تعاني العديد من الدول من مشكلة «الفيلة البيضاء» التي تمثل الملاعب والمنشآت الرياضية التي تكلف مبالغ ضخمة في التشغيل والصيانة ولا تحقق عوائد مستدامة بعد انتهاء البطولة.

في المجمل، باتت بطولة كأس العالم حدثًا اقتصاديًا وتنمويًا عالميًا يتداخل فيه مصالح الحكومات والشركات والمؤسسات الاستثمارية. ورغم الفرص الهائلة التي توفرها لتعزيز السياحة وجذب الاستثمارات، فإن نجاح الاستضافة اقتصادياً يعتمد بشكل رئيسي على رؤية الدول المضيفة في توظيف البطولة ضمن خطط تنموية طويلة الأمد لضمان استدامة العوائد بعد انتهاء الحدث.