أظهرت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط هشاشة أسواق الغاز العالمية وسرعة تأثرها بالصدمات الجيوسياسية، حيث شهدت أسعار الغاز الطبيعي تقلبات حادة خلال الأشهر الأولى من عام 2026، مع ارتفاعات ملحوظة في مؤشرات الأسعار العالمية نتيجة إغلاق مضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.

تأثير إغلاق مضيق هرمز على الأسواق الإقليمية

أدى إغلاق مضيق هرمز إلى صدمة قوية في أسواق الغاز العالمية، حيث ارتفع مؤشر أسعار الغاز الطبيعي الصادر عن مجموعة البنك الدولي بنسبة 24% في مارس 2026. وبرز تأثير الأزمة بشكل واضح في آسيا التي شهدت ارتفاع مؤشر الغاز الطبيعي فيها بنسبة 94% خلال ذات الشهر، بينما سجلت أوروبا زيادة بنحو 59%. وبعد ذلك، شهدت الأسواق الأوروبية والآسيوية انخفاضًا في أبريل واستقرارًا في مايو، في مقابل تقلبات المؤشر الأمريكي الذي انخفض 3% في مارس ثم 12% في أبريل قبل أن يرتفع 9% في مايو، مدعومًا بالإنتاج المحلي والاحتياطيات الوفيرة في الولايات المتحدة.

الضغوط على العرض والطلب العالمي

أكد تقرير البنك الدولي أن طاقة تسييل الغاز الطبيعي في مناطق العالم الأخرى وصلت إلى حدودها القصوى، مما صعّب تعويض الخسائر الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز. كما أشار إلى أن آسيا كانت الأكثر تضررًا نتيجة توجه معظم الشحنات المتأثرة إليها، في حين تأثرت أوروبا أيضًا بالرغم من صغر حصتها من الغاز القادم من الشرق الأوسط. هذا الارتفاع في الأسعار تزامن مع فترة شتاء بارد في أوروبا والولايات المتحدة، مما زاد الطلب على الغاز للتدفئة.

سجل استهلاك الغاز العالمي نموًا محدودًا بنسبة 0.8% خلال 2025، وهو أقل بكثير من معدل الزيادة في 2024، بسبب ضعف الطلب في آسيا وأوراسيا وأمريكا الشمالية. ويتوقع أن يبقى الاستهلاك مستقرًا خلال 2026 نتيجة تباطؤ النشاط الصناعي وتحول أوروبا إلى مصادر طاقة متجددة وفحم بديل للغاز، بينما تدعم محطات الغاز الجديدة في الولايات المتحدة مستويات إنتاج قياسية لتعويض جزء من الخسائر.

توقعات السوق والمخاطر المستقبلية

يشير التقرير إلى أن المنافسة العالمية على مخزونات الغاز في أوروبا وآسيا ستتصاعد بسبب الاضطرابات في صادرات الشرق الأوسط، مع توقع انخفاض المؤشر الأوروبي بنحو 20% بحلول 2027 إذا تحقق الاستقرار في المنطقة واستأنفت صادرات الغاز بشكل طبيعي. وتعتمد هذه التوقعات على تعافي إنتاج الغاز في الشرق الأوسط وتشغيل توسعة حقل الشمال في قطر.

ومع ذلك، يبقى استمرار الاضطرابات أو اتساع نطاقها من أكبر المخاطر التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، خصوصًا مع انخفاض المخزونات الأوروبية إلى مستويات متدنية مقارنة بالسنوات السابقة. كما يمثل الطلب المتزايد على الكهرباء من مراكز البيانات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي عاملًا جديدًا يدفع الطلب على الغاز، في حين يشكل تباطؤ النمو الاقتصادي في شرق آسيا تهديدًا مضادًا.

خلاصة وتأثيرات جيوسياسية مستمرة

تؤكد الأزمة في مضيق هرمز وأضرار قطر مدى سرعة تأثر أسواق الغاز العالمية بالصدمات الجيوسياسية، مع تفاوت التأثير بين المناطق حسب مستوى الإنتاج المحلي والاعتماد على الواردات. تظل الأسواق عرضة لتقلبات مستمرة، وتعتمد قدرة التعامل مع الاضطرابات على سرعة استئناف صادرات الشرق الأوسط وتوسعة الإنتاج القطري، إلى جانب استيعاب الطلب الإضافي المرتبط بالتقنيات الحديثة ومشروعات الطاقة الجديدة. وفي ظل هذه التحديات الهيكلية، قد تعيد أي تمديد للاضطرابات أو تباطؤ اقتصادي جديد الأسواق إلى حالة توتر مرتفعة، مما يفرض ضغوطًا متزايدة على صناع القرار والمستثمرين.