في قلب القاهرة، يقف المبنى التاريخي للجمعية الجغرافية المصرية كرمز حي لعطاء علمي وثقافي يمتد لأكثر من 150 عاماً، حاملاً بين جدرانه واحدة من أغنى المجموعات الجغرافية والوثائقية في الشرق الأوسط. تأسست الجمعية عام 1875 في عهد الخديوي إسماعيل، لتكون أول جمعية جغرافية خارج القارة الأوروبية، مما يعكس اهتمام مصر بالعلوم الحديثة والاستكشافات، خاصة تلك المرتبطة بالقارة الأفريقية ومنابع نهر النيل.

مجموعات وثائقية وخرائط نادرة

تضم الجمعية مكتبة ضخمة تحتوي على نحو 40 ألف مجلد من الكتب والمراجع في الجغرافيا والتاريخ والعلوم، إلى جانب مجموعة نادرة من المخطوطات العربية والإسلامية والوثائق التاريخية التي تعود إلى عصور مختلفة. كما تحتفظ بما يقرب من 13 ألف خريطة تاريخية وحديثة وأكثر من 600 أطلس جغرافي نادر، توثق تطور رسم الخرائط والمعرفة الجغرافية عبر القرون.

وتُعد الخرائط التاريخية من أبرز كنوز الجمعية، خصوصاً تلك التي تتعلق بالقارة الأفريقية واستكشاف منابع نهر النيل، بالإضافة إلى خرائط من العصر الذهبي للحضارة الإسلامية التي تعكس إسهامات علماء مثل الإدريسي والمقدسي في تطور علم الجغرافيا ورسم الخرائط.

مقتنيات أثرية وأدوات فلكية وجغرافية

لا تقتصر مقتنيات الجمعية على الكتب والخرائط فقط، بل تشمل أيضاً مجموعة متميزة من الأدوات والأجهزة الفلكية والجغرافية المستخدمة في أعمال القياس والمساحة وتحديد المواقع، بالإضافة إلى نماذج وخرائط مجسمة تساعد الباحثين على دراسة تضاريس الأرض وتكويناتها الطبيعية. كما تضم وثائق وتقارير ومذكرات لرحالة ومستكشفين مشهورين مثل صموئيل بيكر وريتشارد بيرتون، بالإضافة إلى وثائق البعثات العلمية التي تمثل مرجعاً هاماً لدراسة تاريخ الاستكشافات الجغرافية.

المتاحف والفعاليات العلمية

يحتوي المبنى التاريخي للجمعية على متحف إثنوغرافي يضم مجموعات كبيرة من المقتنيات المرتبطة بدراسات الثقافات والشعوب، مع قاعات متخصصة للعادات والتقاليد المصرية، الحرف والصناعات التقليدية، والمقتنيات الخديوية. من أبرز المعروضات المحمل الخاص بكسوة الكعبة المشرفة الذي كان ينطلق من مصر في موكب احتفالي إلى الأراضي المقدسة، إضافة إلى "دايوراما قناة السويس" التي تجسد مراسم افتتاح القناة في عهد الخديوي إسماعيل.

كما تحتوي الجمعية على قاعة الملكية التاريخية والمكتبة الكارتوجرافية المتخصصة في حفظ وتصنيف الخرائط والأطالس النادرة، فضلاً عن استمرارها في إصدار مجلتها العلمية وتنظيم المؤتمرات والندوات والدورات التدريبية في نظم المعلومات الجغرافية والتقنيات الجيومكانية.

التحول الرقمي وحفظ التراث

شهدت الجمعية في السنوات الأخيرة تحوّلاً كبيراً نحو الرقمنة، بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لتنفيذ مشروع رقمنة شامل لمجموعاتها العلمية والثقافية، تشمل الكتب والدوريات والخرائط والوثائق النادرة، وإتاحتها عبر منصة "تراث مصر الرقمي". كما تتعاون وزارة الثقافة لتعزيز التوعية بقيمة الجمعية ومقتنياتها، خصوصاً الخرائط النادرة والدايوراما الخاصة بافتتاح قناة السويس.

تواصل الجمعية الجغرافية المصرية اليوم دورها العريق بين أصالة التاريخ ومتطلبات العصر الحديث، من خلال مشروعات الترميم والرقمنة التي تحفظ هذا الإرث العلمي وتجعله متاحاً للأجيال القادمة، لتظل من أهم المؤسسات العلمية والثقافية في مصر والمنطقة، حافظة لذاكرة وطنية وجغرافية تمتد لأكثر من قرن ونصف.