تشهد أسواق الذهب تقلبات ملحوظة وسط تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية معقدة تؤثر بشكل مباشر على توجهات الأسعار. رغم التوترات العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط، فقد الذهب جزءًا من مكاسبه مؤخرًا، في ظل تقييم الأسواق لتأثير هذه الأحداث من زوايا متباينة بين دعم الطلب على المعدن النفيس ومخاوف تضخمية ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط.
تأثير التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط
أكد الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، أن المخاطر الجيوسياسية عززت الطلب على الذهب كملاذ آمن، غير أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط، الذي تجاوز خام برنت 97 دولارًا للبرميل، أعاد ملف التضخم إلى صدارة اهتمامات الأسواق العالمية. ويرجع ذلك إلى المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية التي قد تدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى مواصلة السياسة النقدية المتشددة، مما يقلل من جاذبية الذهب مقارنة بالأصول ذات العوائد مثل السندات.
دور الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تحديد مسار الذهب
تتركز الأنظار على اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل، حيث تترقب الأسواق ليس فقط قرارات أسعار الفائدة، بل أيضًا لهجة البنك المركزي تجاه تأثير ارتفاع أسعار النفط على التضخم. وأوضح فاروق أن اعتراف الفيدرالي بكون ارتفاع أسعار الطاقة مؤقتًا قد يدعم انتعاش الذهب، بينما القلق من استمرار الضغوط التضخمية قد يفرض مزيدًا من الضغوط على الأسعار.
تراجع احتياطيات الذهب الروسية وتأثيره على السوق
في سياق متصل، أظهرت بيانات البنك المركزي الروسي تراجع احتياطيات الذهب بنحو 1.4 مليون أوقية (43.5 طن) منذ بداية العام، لتصل إلى 73.4 مليون أوقية (2282 طنًا) بقيمة تقديرية 299 مليار دولار. ويأتي هذا التراجع للشهر السادس على التوالي، في ظل استخدام جزء من الذهب لدعم الموازنة العامة وتعزيز الاحتياطيات من العملات الأجنبية، نتيجة الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالحرب والعقوبات الغربية. ورغم ذلك، يرى مرصد الذهب أن هذا الانخفاض يعكس احتياجات تمويلية مؤقتة ولا يشير إلى تغيير استراتيجي في توجهات روسيا، خاصة مع استمرار البنوك المركزية الكبرى مثل الصين في تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس.
يختتم الدكتور وليد فاروق بأن سوق الذهب يمر بمرحلة فريدة من التداخل بين العوامل الجيوسياسية والاقتصادية، حيث يعد ارتفاع أسعار النفط عاملًا رئيسيًا في تحديد مسار المعدن النفيس عبر تأثيره على التضخم والسياسة النقدية. ويشير إلى أن مستقبل أسعار الذهب سيتحدد بناءً على تطورات الشرق الأوسط، ومسار أسعار النفط، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، متوقعًا استمرار التقلبات قصيرة الأجل مع دعم قوي من الطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية على المدى المتوسط والطويل.