تشهد واردات الصين من النفط الخام تغيرات هيكلية جذرية نتيجة الحرب في الشرق الأوسط وتسارع التحول إلى المركبات الكهربائية، مما يطرح تساؤلات حول عودة الطلب إلى مستويات ما قبل الصراع. فقد أدى ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية إلى تحولات دائمة في سلوك المستهلكين وأسواق الطاقة الصينية.

تراجع الطلب على وقود النقل وتأثير الحرب

تشير تحليلات شركة "ريستاد إنرجي" إلى أن ما بين 200 ألف و600 ألف برميل يوميًا من الطلب على وقود النقل فقد خلال فترة الحرب قد لا يعود هذا العام، فيما تقدر شركة "إنرجي أسبكتس" الفاقد الدائم بنحو 300 ألف برميل يوميًا. ويرتبط هذا التراجع بشكل أساسي بتباطؤ عمليات التخزين وخفض معدلات تشغيل المصافي وفرض حظر على صادرات الوقود، ما أدى إلى انخفاض واردات النفط الخام بمقدار 3.3 مليون برميل يوميًا خلال الربع الحالي مقارنة بالعام الماضي، وفقاً لشركة "إف جي إي نيكسانت".

التوجه المتسارع نحو المركبات الكهربائية

سرع ارتفاع أسعار النفط وتداعيات الحرب من وتيرة اعتماد الصين على المركبات الكهربائية، حيث شكلت التسجيلات الجديدة للمركبات الكهربائية بالكامل نحو 42% من إجمالي التسجيلات في أبريل 2024، مقارنة بـ 38% في مارس، بحسب المركز الصيني لأبحاث وتكنولوجيا السيارات. وتراجع الطلب على السيارات التي تعمل بالبنزين بسبب ارتفاع تكلفتها، مما يعزز الاتجاه نحو التحول المستدام في قطاع النقل.

وفي هذا الصدد، قال لين يه، نائب رئيس أسواق النفط في "ريستاد إنرجي": «سلوك المستهلكين قد يكون من الصعب تغييره، فبالنسبة لمن تحولوا إلى السيارات الكهربائية خلال الحرب، قد لا يكون هناك سبب كبير للعودة إلى السيارات التقليدية ما لم تصبح أسعار الوقود أقل بكثير».

تداعيات استراتيجية على سوق النفط العالمية

فضلاً عن التأثير المحلي، فإن تراجع الطلب الصيني على النفط الخام له انعكاسات كبيرة على أسواق النفط العالمية. الصين التي كانت تمثل المشتري الأخير الرئيسي، ساعدت في امتصاص صدمات الإمدادات عبر تقليص الواردات والاستهلاك. ومع تعافي إمدادات الشرق الأوسط، سيشكل مدى عودة الصين إلى السوق عاملاً حاسماً في تحديد توجهات الأسعار العالمية.

وقد يشهد الطلب نوعاً من التعافي مع استئناف بناء المخزونات ورفع معدلات تشغيل المصافي، إلى جانب احتمال تخفيف بكين قيود تصدير الوقود، حيث لا تزال هناك حوالي 17 مليون طن من حصص التصدير المتاحة خلال العام الجاري، مما قد يعيد شحنات البنزين والديزل إلى مستويات قريبة من ما قبل الحرب.

توقعات الطلب في ظل التحول الطاقي

تتوقع وكالة الطاقة الدولية انخفاض متوسط الطلب الصيني على النفط بمقدار 360 ألف برميل يوميًا خلال 2024، وهو أول تراجع سنوي كبير منذ أزمات النفط في السبعينيات والثمانينيات. وتؤكد الوكالة ارتفاع استخدام المركبات الكهربائية بشكل ملحوظ مع ارتفاع أسعار النفط، بالإضافة إلى تسارع عمليات شحن هذه المركبات داخل المدن الصينية، مما يعكس تحولاً مستداماً في أنماط الاستهلاك الطاقي في أكبر سوق نفط في العالم.