تتصاعد التوترات السياسية في كولومبيا مع اقتراب جولة الإعادة الحاسمة للانتخابات الرئاسية المقررة في 21 يونيو 2026، وسط أزمة دبلوماسية حادة بين بوغوتا وواشنطن بسبب تدخل أمريكي مباشر في المشهد السياسي الكولومبي. هذا التدخل أثار مخاوف واسعة حول سيادة الدولة واستقلالية قرار الناخبين في بلد يعد من أهم حلفاء الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية.
تأييد ترامب للمرشح اليميني وتصعيد الأزمة الدبلوماسية
أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب دعمه الصريح للمرشح اليميني المتطرف أبيلاردو دي لا إسبريا، المعروف بلقب "النمر"، واصفاً إياه بأنه خيار "الأمان والازدهار". في المقابل، وصف منافسه اليساري إيفان سيبدا بأنه يمثل "اليسار الراديكالي الماركسي"، ما أثار ردود فعل غاضبة من الحكومة الكولومبية التي اعتبرت هذا التصريح تدخلاً غير مقبول في شؤونها الداخلية. جاءت هذه التصريحات بعد أن تصدر دي لا إسبريا الجولة الأولى بنسبة 43.7% مقابل 40.9% لسيبدا.
رداً على ذلك، أصدرت وزارة الخارجية الكولومبية بياناً رسمياً أعربت فيه عن "قلقها العميق ورفضها لأي تصريح أو إجراء من جهات خارجية يهدف إلى دعم أو الإضرار بالمرشحين أو الأحزاب أو المشاريع السياسية"، مؤكدة أن "قرارات مستقبل كولومبيا تعود حصراً للشعب الكولومبي عبر حقه في الاقتراع الحر".
موقف الرئيس جوستافو بترو والتعبئة الشعبية
اتخذ الرئيس جوستافو بترو موقفاً تصعيدياً حيال التدخل الأمريكي، متّهماً ترامب بانتهاك اتفاق ثنائي ينص على الحياد في العملية الانتخابية. وقال بترو: "أدعو كل كولومبيا للتصويت بحرية تامة وألا نصبح عبيداً أو مستعمرة لأي كان"، مضيفاً أن "عندما تتدخل دولة في قرارات دولة أخرى، تموت الحرية". كما تحدى العقوبات الأمريكية ضده مؤكداً أنه لن يتراجع مهما كانت الضغوط.
وانضم عدد من المسؤولين والشخصيات السياسية إلى موجة الإدانة، حيث وصف نائب وزير الخارجية للشؤون المتعددة الأطراف ماوريسيو خاراميو تصريح ترامب بأنه "هجوم على كولومبيا ومؤسساتها وسيادتها التي ناضلنا من أجلها 200 عام". كما اتهمت المرشحة الرئاسية السابقة كلوديا لوبيز دي لا إسبريا بأنها "دمية للترامبية" و"قابلة للابتزاز" بسبب ملفاتها المتعلقة بالمافيا.
تحديات العلاقة الأمريكية-الكولومبية وتأثيرها على الانتخابات
تمتد جذور الأزمة إلى خلافات متصاعدة بين الحكومة الكولومبية الحالية وواشنطن، خاصة بعد تغييرات في السياسة الخارجية لكولومبيا مثل قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في مايو 2024، وانضمامها لمبادرة الحزام والطريق الصينية، ورفض استقبال طائرة عسكرية أمريكية في يناير 2025. وتجاوزت المساعدات الأمريكية منذ عام 2000 مبلغ 10 مليارات دولار في إطار خطة مكافحة المخدرات والأمن، لكن التوترات السياسية الأخيرة تعكس تغيراً في موازين القوى.
مع اقتراب موعد الاقتراع، تواجه كولومبيا اختباراً حقيقياً في حماية نزاهة العملية الانتخابية وسيادتها الوطنية، وسط مخاوف من أن تؤثر الضغوط الخارجية على مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي. يبقى السؤال الأبرز: هل سيتمكن الشعب الكولومبي من التعبير عن إرادته الحرة دون تدخلات أجنبية، أم أن التدخلات ستترك بصمة لا تمحى على المشهد السياسي؟