تشهد الاقتصاديات العالمية تحولاً جديداً في مصادر الضغوط التضخمية، بعد أن خفت حدتها مع تراجع تأثير الحرب التجارية وانخفاض أسعار الوقود. هذه المرة، يأتي التحدي من الطفرة الكبيرة في استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، التي ترفع الطلب على مواد خام ومعدات وطاقة وعمالة، مما ينعكس سلباً على أسعار السلع والخدمات.
سباق التكنولوجيا واستثمارات ضخمة
وفقاً لتقارير «وول ستريت جرنال»، ستنفق شركات التكنولوجيا الكبرى مثل ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل حوالي 741 مليار دولار خلال العام الجاري على التوسعات الرأسمالية، بزيادة تقارب 75% مقارنة بالعام السابق. هذه القفزة تعكس المنافسة العالمية على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، لكنها تفرض ضغوطاً غير مسبوقة على سلاسل الإمداد والأسواق.
البنية التحتية وتكاليف الإنتاج
تتطلب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي استثمارات هائلة في معالجات ورقائق إلكترونية متطورة، وأنظمة تبريد متقدمة، وشبكات كهرباء وألياف ضوئية عالية الكفاءة، بالإضافة إلى مولدات احتياطية لضمان التشغيل المستمر. ويقدر الاقتصاديون أن الإنفاق العالمي على هذه البنية قد يصل إلى 8 تريليونات دولار بحلول 2032، مما يجعلها من أكبر موجات الاستثمار في التاريخ الحديث.
الطلب المتزايد على الرقائق الإلكترونية تسبب في ارتفاع تكلفة إنتاج الأجهزة الاستهلاكية، حيث رفعت شركات مثل نينتندو ومايكروسوفت وسوني أسعار منتجاتها، بينما حذر مسؤولو أبل من قفزة غير مسبوقة في تكلفة المكونات الإلكترونية. وينتشر التأثير إلى السيارات والأجهزة المنزلية وغيرها من الصناعات المعتمدة على أشباه الموصلات.
الطاقة والعمالة بين عوامل الارتفاع
لا تستهلك مراكز البيانات الأجهزة الإلكترونية فقط، بل تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء. يتوقع محللو الأسواق أن تستحوذ هذه المراكز على نحو نصف نمو الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة حتى عام 2030، مع توقع زيادة أسعار الكهرباء للمستهلكين بنحو 6% سنوياً خلال العامين القادمين. كما شهدت أجور العمالة المتخصصة ارتفاعاً ملحوظاً، حيث زادت أجور فنيي التركيبات الكهربائية بأكثر من 6.5% خلال عام واحد، ما يضيف أعباء جديدة على تكلفة المشاريع.
آفاق التضخم وتأثير الذكاء الاصطناعي على المدى البعيد
على الرغم من الضغوط الحالية، يرى عدد من الاقتصاديين أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد على رفع الإنتاجية وخفض تكلفة الإنتاج على المدى الطويل، مما قد يساهم في كبح التضخم كما حدث في الثورات الصناعية السابقة. ومع ذلك، من المتوقع أن لا يظهر هذا الأثر الإيجابي قبل عامين على الأقل، بينما تستمر الأسواق في مواجهة ضغوط تضخمية خلال مرحلة بناء البنية التحتية.
يختلف التضخم الناتج عن طفرة الذكاء الاصطناعي عن تأثير ارتفاع أسعار النفط أو الرسوم الجمركية، إذ يعتمد على طلب طويل الأجل وليس صدمة مؤقتة. وتشير استطلاعات إلى أن أكثر من 80% من الاقتصاديين يتوقعون أن تسهم استثمارات مراكز البيانات في رفع معدلات التضخم خلال العام المقبل، في ظل استمرار ارتفاع التضخم الأمريكي فوق مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
بالتالي، تواجه الأسواق معادلة معقدة؛ فالتكنولوجيا التي يُنتظر أن تخفض الأسعار مستقبلاً، أصبحت اليوم من أبرز العوامل التي تدفعها إلى الارتفاع.