يشهد القطاع الزراعي في مصر تحولات جذرية بقيادة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الذي أعاد تعريف الاستثمار الزراعي عبر بناء منظومة متكاملة تربط بين الاستصلاح الزراعي، التصنيع الغذائي، الخدمات اللوجستية، والتجارة، بهدف تعظيم القيمة المضافة للمحاصيل وتعزيز مساهمة الصناعات الغذائية في الاقتصاد الوطني وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية محليًا وعالميًا.
مشروعات استصلاح ضخمة وبنية تحتية متطورة
انطلقت رحلة جهاز مستقبل مصر بهدف استصلاح 4.5 مليون فدان، وهو أكبر مشروع توسع زراعي في تاريخ مصر، حيث تم استصلاح نحو 80% من المساحة المستهدفة في مناطق مثل الدلتا الجديدة، شرق العوينات، سيناء، والمنيا-بني سويف. هذه المشروعات لم تقتصر على تحويل الأراضي الصحراوية إلى مناطق زراعية حديثة تعتمد على التكنولوجيا والميكنة، بل تضمنت أيضًا إنشاء بنية تحتية متكاملة تشمل شبكات الري الحديثة، محطات الرفع، الطرق، شبكات الكهرباء ومحطات الطاقة، بالإضافة إلى الخدمات اللوجستية التي تهيئ بيئة مناسبة للاستثمار الزراعي والصناعي.
زيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي
أسهمت هذه المشروعات في تعزيز إنتاج المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح، الذي سجلت منظومة توريده رقمًا قياسيًا بلغ نحو خمسة ملايين طن، مما يدعم جهود الدولة في تقليل الاعتماد على الواردات وتحقيق الاكتفاء الذاتي. كما أصبح بنجر السكر من المحاصيل المهمة التي توفر احتياجات مصانع السكر وتحقق الاكتفاء الذاتي، مما يساهم في استقرار السوق المحلية وخفض فاتورة الاستيراد. على الصعيد التصديري، ارتفعت الصادرات الزراعية المصرية إلى عشرة ملايين طن، بزيادة تقارب 300% مقارنة بعام 2014، مما يعكس نجاح الاستراتيجية الوطنية في زيادة تنافسية المنتجات وفتح أسواق جديدة.
تصنيع غذائي متكامل وشراكات استراتيجية
يعمل جهاز مستقبل مصر على تحويل الإنتاج الزراعي إلى قيمة اقتصادية أعلى من خلال التصنيع الغذائي، حيث أنشأ مدينة مستقبل مصر الصناعية التي تضم مجمعًا متكاملاً للصناعات الغذائية بطاقة إنتاجية تصل إلى 3.4 مليون طن من الخامات الزراعية سنويًا، تنتج نحو 1.7 مليون طن من المنتجات النهائية كالزيوت، العصائر، المربات، والأعلاف. كما تم تطوير مجمعات صناعية تاريخية مثل مجمع قها وإدفينا، بطاقة إنتاجية تصل إلى 475 ألف طن من الخامات الزراعية سنويًا، مما يعزز القيمة المضافة ويزيد من تنافسية المنتجات في الأسواق المحلية والعالمية. ويعتمد الجهاز على شراكات مع شركات وطنية وعالمية لنقل التكنولوجيا وتحسين جودة المنتجات وزيادة القدرة التنافسية للصناعة المصرية.
منظومة حديثة للتخزين والتداول والتوزيع
لضمان استدامة الأمن الغذائي، أنشأ الجهاز أكبر مجمع للصوامع في الشرق الأوسط داخل مشروع الدلتا الجديدة، برفد الطاقة التخزينية إلى نحو 600 ألف طن، بالإضافة إلى مركز سفنكس لتداول المحاصيل، الذي يعد أكبر مركز متكامل في الشرق الأوسط بطاقة تداول تصل إلى 20 مليون طن سنويًا، ويضم بورصة سلعية ومنظومة متكاملة للفرز والتعبئة والتغليف والتخزين. كما تم تطوير شبكة توزيع تضم نحو 1500 منفذ "سوبر توفير" في مختلف المحافظات، لتوفير السلع الأساسية بانتظام وتقليل حلقات التداول بين المنتج والمستهلك، ما يعزز استقرار الأسواق ويدعم الأمن الغذائي.
تتجلى رؤية جهاز مستقبل مصر في بناء منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من الأرض مرورًا بالإنتاج والتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية والتجارة، وصولًا إلى المستهلك، مع التركيز على تعظيم القيمة المضافة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، مما يعيد رسم خريطة التنمية الاقتصادية في مصر ويقودها نحو اقتصاد إنتاجي تنافسي ومستدام.