تواجه مصر تحديات مائية متزايدة مع اقتراب نصيب الفرد من المياه إلى حدود الندرة المطلقة، مما دفعها إلى تبني استراتيجية طموحة لتحلية مياه البحر كحل رئيسي لتحقيق الأمن المائي ودعم التنمية المستدامة. تأتي هذه الخطوة في ظل تزايد الطلب العالمي على المياه العذبة، حيث تشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من نصف سكان العالم سيعانون من نقص المياه بحلول عام 2050.
خطة مصرية طموحة لتحلية مياه البحر
تسعى مصر من خلال خطة تمتد حتى عام 2050 إلى إنتاج 9.8 مليون متر مكعب يومياً من المياه المحلاة، بهدف فك الارتباط بين النمو السكاني ومياه نهر النيل. وتعكس هذه الخطة استجابة حتمية لانخفاض نصيب الفرد السنوي من المياه إلى نحو 550 متر مكعب، وهو رقم يقترب من حد الندرة المطلقة الذي حددته الأمم المتحدة بـ 500 متر مكعب. وتؤكد الدراسات أن تحلية مياه البحر ليست مجرد خيار تكنولوجي، بل ركيزة أساسية لتعزيز الأمن المائي ودعم الاقتصاد الوطني.
الاستدامة الاقتصادية والبيئية لتقنيات التحلية
تُعد تقنية التناضح العكسي (RO) الخيار الأكثر فاعلية من حيث التكلفة والطاقة، بمتوسط تكلفة 0.96 دولار للمتر المكعب مقارنة بتقنيات التقطير الحراري الأعلى تكلفة. وتتميز محطات التناضح العكسي في مصر باستهلاك منخفض للطاقة يتراوح بين 3 و5.5 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب، مما يحد من الأعباء الاقتصادية والبيئية. ويركز الخبراء على دمج الطاقة المتجددة وإدارة المحلول الملحي المرتجع بطرق مبتكرة مثل تقنية "التخلص الصفري من السوائل" (ZLD)، التي تسمح باستخراج المعادن ذات القيمة الاقتصادية وتحويل التحديات البيئية إلى فرص استثمارية.
تعزيز القدرات الوطنية وتطوير الشراكات
تسعى الحكومة المصرية إلى توطين صناعة مكونات محطات التحلية محلياً، بما في ذلك المهمات الكهروميكانيكية وأغشية التحلية، مع الاعتماد على البحث العلمي والتقنيات الحديثة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد والمواد النانوية. وتعتبر الشراكات مع القطاع الخاص والجامعات المصرية حجر الزاوية في نقل التكنولوجيا وتأهيل الكوادر الوطنية لضمان تشغيل وإدارة المحطات بكفاءة عالية. وفي إطار تسريع تنفيذ المشروعات، تخطط الدولة لطرح مناقصات دولية بمشروعات شراكة بين القطاعين العام والخاص، أبرزها محطتان في بورسعيد والسويس باستثمارات 1.6 مليار دولار، بالإضافة إلى مشروع محطة العلمين الجديدة.
تحديات وفرص مستقبلية
رغم الفوائد الكبيرة لتحلية مياه البحر، تواجه مصر تحديات منها ارتفاع تكاليف الإنشاء والتشغيل، والاحتياجات الكبيرة للطاقة، فضلاً عن ضرورة الإدارة البيئية السليمة للمحلول الملحي المرتجع. ويرى الخبراء أن التوسع في استخدام الطاقة المتجددة وتطوير تقنيات رفع كفاءة استهلاك الطاقة والاستفادة من المحلول الملحي في استخراج المعادن، يمثلان مفتاحاً لتجاوز هذه العقبات. بهذا، تتحول تحلية مياه البحر إلى ركيزة استراتيجية تضمن استدامة الموارد المائية وتعزز قدرة مصر على مواجهة تحديات الشح المائي المستقبلية.