تُظهر البيانات والتحليلات الحديثة أن مصر نجحت في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد، مستفيدة من عوامل متعددة مثل البنية التحتية الرقمية المتطورة والقوة العاملة الشابة والمتعددة اللغات، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين الأسواق الأوروبية والآسيوية والإفريقية.

نمو صناعة التعهيد في مصر ودورها الاقتصادي

شهد قطاع التعهيد في مصر توسعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، حيث يضم أكثر من 240 شركة تمتلك نحو 270 مركزًا لتقديم خدمات التعهيد، موفرة نحو 181 ألف فرصة عمل. وتعكس هذه الأرقام تزايد ثقة المستثمرين في السوق المصرية وقدرتها على تعزيز مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد، خاصة مع توقيع مذكرات تفاهم مع 55 شركة عالمية ومحلية. ويُعد قطاع الخدمات أكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي المصري بنسبة 48.9% لعام 2024، مع نمو ملحوظ في الأنشطة الخدمية الحديثة مثل التعهيد وتصدير الخدمات الرقمية.

مزايا تنافسية ومؤشرات ثقة دولية

تتمتع مصر بعدة مزايا تنافسية في مجال التعهيد منها وجود قوة عاملة شابة ومتعددة اللغات بتكلفة تنافسية، إضافة إلى بنية تحتية متطورة وسوق عقارية تجارية قوية ومستويات عالية من الأمن والاستقرار التشغيلي. وقد حققت مصر مستوى ثقة مرتفعًا بلغ 80.9% في مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي لعام 2025، متقدمة في مجالات الأمن والسلامة والبنية التحتية وسوق العمل والعقارات التجارية. ويُبرز هذا المؤشر أهمية مصر كوجهة جاذبة لخدمات التعهيد وتجربة العملاء، مع ميزة إضافية تتمثل في التقارب الثقافي مع الأسواق الأوروبية والأمريكية.

استراتيجيات تعزيز القطاع ودور الحكومة

يرتكز نجاح مصر في جذب استثمارات التعهيد على إطار مؤسسي متكامل يقوده وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتلعب هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا) دورًا محوريًا في الترويج لمصر كمقصد عالمي لخدمات التعهيد. كما تدعم جهات أخرى مثل هيئة الاستثمار والمناطق الحرة والمعهد القومي للاتصالات والجامعات، توفير بيئة أعمال جاذبة وتنمية الكوادر البشرية المؤهلة. وتعمل الحكومة على تطوير المناطق التكنولوجية ومراكز الإبداع الرقمي، إلى جانب إطلاق برامج تدريبية متخصصة بالتعاون مع شركات دولية لتأهيل الشباب بالمهارات الرقمية المطلوبة.

آفاق مستقبلية وتوجهات استراتيجية

تسعى مصر إلى زيادة صادرات خدمات التعهيد من 5.2 مليارات دولار إلى 6 مليارات دولار بحلول عام 2026، مع التركيز على الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة مثل تصميم الإلكترونيات وأشباه الموصلات. وتعكس هذه الخطوات رؤية الدولة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الرقمي وتوفير فرص عمل نوعية. وتتماشى هذه الجهود مع مستهدفات رؤية مصر 2030 التي تضع التحول الرقمي وتنمية رأس المال البشري في صدارة أولويات التنمية الاقتصادية. كما تؤكد التجربة الهندية العالمية في هذا المجال أهمية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وهو ما يمكن لمصر الاستفادة منه لتعزيز القيمة المضافة للخدمات المقدمة وتحويل نفسها إلى مركز عالمي لإنتاج وتصدير الخدمات الرقمية المتقدمة.