شهدت أسعار الذهب تقلبات حادة خلال الشهر الماضي، حيث خسر المعدن النفيس نحو 452 دولارًا في غضون 30 يومًا فقط، ما أثار تساؤلات عديدة حول أسباب هذا التراجع الكبير وآفاق السوق المستقبلية. يأتي هذا التراجع في ظل بيئة اقتصادية عالمية متقلبة تتسم بقوة الدولار الأمريكي وارتفاع توقعات رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، مما أثر بشكل مباشر على تحركات الذهب وسلوك المستثمرين تجاهه.
العوامل المؤثرة في تراجع أسعار الذهب
أوضح الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، أن ضغط الدولار الأمريكي القوي وارتفاع العوائد الحقيقية على سندات الخزانة الأمريكية كانا من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى خسائر الذهب خلال الفترة الماضية. حيث ارتفع الدولار، ما رفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائدًا، ما دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية مؤقتًا. كما أن استمرار توقعات الأسواق بأن تبقى السياسة النقدية الأمريكية متشددة لفترة أطول، مع احتمال رفع أسعار الفائدة مرة أخرى خلال العام الجاري، ساهم في زيادة الضغوط على المعدن الأصفر.
وأشار فاروق إلى أن الذهب سجل خلال تعاملات الأسبوع الماضي خسارة أسبوعية بلغت نحو 1.6%، وأغلق الأوقية عند مستوى 4088 دولارًا، بعد أن لامس أدنى مستوى له منذ بداية 2026 عند 3959 دولارًا للأوقية. وعلى مدار شهر يونيو، انخفض سعر الأوقية بنحو 452 دولارًا، ما يعادل تراجعًا بنحو 10%، في حين بلغت خسائر الذهب منذ بداية العام نحو 230 دولارًا أو 5.3%.
توقعات السوق واستراتيجيات الاستثمار
يشير «مرصد الذهب» إلى أن مستوى 4000 دولار للأوقية يمثل دعمًا نفسيًا وفنيًا هامًا خلال المرحلة الحالية، حيث قد يؤدي الحفاظ على التداولات فوق هذا المستوى إلى محاولات تعافٍ نحو 4100 و4200 دولار. في المقابل، فإن كسر هذا المستوى قد يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط البيعية واختبار مستويات أدنى.
تباينت توقعات المؤسسات المالية الكبرى بشأن أسعار الذهب المستقبلية؛ حيث خفض بنك جولدمان ساكس توقعاته لنهاية 2026 إلى 4900 دولار للأوقية، بينما يتوقع دويتشه بنك تداول الذهب قرب 4300 دولار في الربع الثالث من العام قبل التعافي إلى 4800 دولار في الربع الرابع. على الجانب الآخر، تبقى توقعات جي بي مورجان أكثر تفاؤلاً مع توقعات بوصول الذهب إلى مستويات تقارب 6000 دولار للأوقية على المدى الطويل.
في ضوء هذه المتغيرات، يؤكد «مرصد الذهب» أن المرحلة الحالية تتسم بارتفاع تقلبات السوق وحساسية كبيرة تجاه بيانات الاقتصاد الأمريكي وتحركات أسعار الفائدة والدولار، مما يجعل إدارة المخاطر أولوية قصوى للمستثمرين. كما ينصح المرصد بالشراء التدريجي على مراحل لتكوين متوسطات سعرية مناسبة، بدلاً من شراء كامل السيولة دفعة واحدة، للاستفادة من أي تراجعات مؤقتة وتقليل مخاطر توقيت الدخول.
الوضع في السوق المحلية
على الصعيد المحلي، شهد جرام الذهب عيار 21 ارتفاعًا بنحو 55 جنيهًا خلال تعاملات السبت ليصل إلى 5800 جنيه، مع استمرار العلاوة السعرية التي تقترب من 120 جنيهًا فوق السعر العادل المستند إلى السعر العالمي وسعر صرف الدولار. ويعكس هذا الفارق استمرار حالة التحوط لدى بعض التجار وتحسن الطلب المحلي بعد موجة التصحيح الأخيرة. ويتوقع «مرصد الذهب» أن تستمر الأسعار في الارتفاع مع بداية الأسبوع الجديد، ما لم تطرأ تغييرات على عوامل العرض والطلب أو تحركات الأسواق العالمية.
ختامًا، يؤكد «مرصد الذهب» أن موجة التصحيح الحالية لا تعني نهاية الاتجاه الصاعد طويل الأجل للذهب، لكنها تعكس تعقيدًا أكبر في ديناميكيات السوق، حيث تتداخل السياسة النقدية الأمريكية، وقوة الدولار، وعوائد السندات، والطلب الاستثماري، ومشتريات البنوك المركزية في تحديد اتجاهات المعدن الأصفر خلال الفترة المقبلة.