في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وأزمات الطاقة العالمية، تتبوأ مصر مكانة استراتيجية متقدمة على الساحة الدولية، تتجلى في مشاركتها الفاعلة في قمة مجموعة السبع (G7) بمدينة إيفيان الفرنسية في يونيو 2026. هذه المشاركة تمثل اعترافاً دولياً بدور مصر الحيوي في أمن الطاقة وسلاسل التوريد والتجارة العالمية، حيث تحولت من مجرد ضيف إلى شريك أساسي على طاولة الكبار.
موقع استراتيجي يعزز دور مصر في التجارة العالمية
تقع مصر عند مفترق طرق دولي حيوي يربط بين القارات، وتبرز قناة السويس كأحد أهم ممرات التجارة العالمية، حيث يمر عبرها نحو 12-15% من حركة التجارة البحرية بين أوروبا وآسيا. شهدت القناة تعافياً اقتصادياً ملحوظاً في 2026، إذ بلغت إيراداتها نحو 449 مليون دولار في النصف الأول من العام، مقارنة بـ368 مليون دولار في نفس الفترة من 2025، مع عبور 1315 سفينة بحمولة صافية بلغت 56 مليون طن.
هذا التعافي يعكس أهمية القناة كمحور لوجستي عالمي، خاصة مع التطوير المستمر للموانئ المحيطة بها، ما جعل مصر مركزاً حيوياً يعزز مرونة سلاسل الإمداد العالمية، ويمنحها دوراً محورياً في مواجهة التحديات الإقليمية مثل التوترات في البحر الأحمر.
مصر كمحور إقليمي في أمن الطاقة العالمي
تعتبر مصر ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي في أفريقيا، ويعتمد إنتاجها بشكل رئيسي على حقل ظهر العملاق. رغم التحديات الناتجة عن الاستنزاف الطبيعي، تخطط الحكومة لرفع الإنتاج اليومي إلى ما بين 6.4 و6.6 مليار قدم مكعب من الغاز عبر استثمارات تبلغ 5.7 مليار دولار ضمن خطة خمسية لتطوير آبار جديدة.
في إطار استراتيجيتها لأمن الطاقة، تحولت مصر إلى نقطة محورية لاستيراد الغاز من دول مجاورة وإعادة تصديره كغاز مسال (LNG) إلى الأسواق الأوروبية، حيث سجلت واردات الغاز المسال في 2025 أرقاماً قياسية. كما تستثمر مصر بقوة في قطاع الهيدروجين الأخضر، مع مشروعات بارزة مثل محطة 100 ميجاوات في عين سخنا التي بدأت إنتاجها الجزئي وتصدر مشتقاتها إلى أوروبا والولايات المتحدة.
تتضمن الخطط الطموحة أيضاً مشروعات بمليارات الدولارات في منطقة قناة السويس الاقتصادية، تشمل شراكات مع ألمانيا وفرنسا والإمارات لإنتاج ملايين الأطنان من الأمونيا الخضراء، مستهدفة جذب استثمارات تصل إلى 40 مليار دولار لتعزيز دورها في الانتقال الطاقي العالمي.
تطوير الموانئ والبنية التحتية اللوجستية
شهدت الموانئ المصرية طفرة تنموية غير مسبوقة، حيث سجلت معدل مرور تاريخي بلغ 10 ملايين حاوية مكافئة (TEUs) بنهاية 2025. تضم منطقة قناة السويس الاقتصادية ستة موانئ رئيسية وأربع مناطق صناعية، وتستقطب استثمارات أجنبية ضخمة، أبرزها اتفاقية مع موانئ أبوظبي لتطوير منطقة لوجستية صناعية في شرق بورسعيد.
ميناء شرق بورسعيد أصبح أكبر ميناء حاويات في أفريقيا والثالث عالمياً، مع توسعات تشمل أرصفة عميقة تصل إلى 25 متراً، تسمح باستقبال السفن العملاقة، ما يعزز قدرة مصر على تحويل التجارة وتعزيز سلاسل التوريد العالمية.
تعكس دعوة مصر إلى قمة G7 الثقة الدولية في دورها كركيزة للاستقرار الإقليمي وشريك رئيسي في أمن الطاقة ومرونة سلاسل التوريد. بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ومشروعاتها الطاقية المتقدمة، وتطوير بنيتها التحتية اللوجستية، باتت مصر لاعباً لا غنى عنه في الاقتصاد العالمي، وقوة فاعلة في مواجهة تحديات العصر.