تواجه الضفة الغربية أزمة نقدية حادة تتمثل في شح السيولة رغم تراكم كميات كبيرة من عملة الشيكل الإسرائيلي داخل البنوك، في حين يعاني قطاع غزة من ندرة حادة في النقد. تعكس هذه الأزمة تعقيدات اقتصادية ناجمة عن القيود الإسرائيلية المفروضة على تحويل فائض الشيكل إلى بنك إسرائيل المركزي، ما أدى إلى امتلاء خزائن البنوك الفلسطينية وتقييد الحركة المالية اليومية.
أسباب الأزمة وتأثيرها على الاقتصاد المحلي
تفرض إسرائيل سقفاً على كمية العملة التي يمكن إعادتها إلى نظامها المالي، وهو سقف لم يتواكب مع نمو النشاط الاقتصادي وحجم التداول النقدي في الضفة الغربية. وتسببت هذه السياسة في تعقيد عمليات الإيداع النقدي للشركات، مما أثر سلباً على حركة التجارة وزاد من الضغوط الاقتصادية على الاقتصاد الفلسطيني.
يقول مسؤولون في سلطة النقد الفلسطينية إن استمرار القيود الإسرائيلية على تحويل فائض الشيكل يمثل أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة المالية، حيث تعيق هذه الإجراءات قدرة القطاع المصرفي على إدارة السيولة بشكل فعال ودعم النشاط الاقتصادي. كما أشار نائب محافظ سلطة النقد الفلسطينية، محمد مناصرة، إلى أن الوضع يشكل "حرباً اقتصادية" تزيد من الضغوط على النظام المالي وتحد من كفاءته.
الاختلاف بين أوضاع الضفة الغربية وقطاع غزة
في حين يعاني قطاع غزة من شح حاد في السيولة النقدية نتيجة الحرب والحصار المستمر، تواجه الضفة الغربية أزمة معاكسة تتمثل في فائض كبير من الأوراق النقدية. ويرجع ذلك إلى رفض بنك إسرائيل استقبال المزيد من الأوراق النقدية والعملات المعدنية، مما يمنع البنوك الفلسطينية من تحويل هذه الأموال إلى أرصدة إلكترونية تسهل تسوية المدفوعات وتنفيذ التحويلات المالية.
يعتمد الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية على الشيكل الإسرائيلي، لكن السلطة الفلسطينية لا تملك صلاحيات التحكم في السياسة النقدية أو إصدار العملة، ما يجعلها تعتمد على بنك إسرائيل لإعادة فائض النقد إلى النظام المالي الإسرائيلي. ومع استمرار القيود، تتراكم الأموال داخل البنوك، مما يحد من قدرتها على إدارة السيولة وتنفيذ العمليات المصرفية.
الآثار السياسية والاقتصادية للقيود الإسرائيلية
يرى مسؤولون فلسطينيون أن القيود الإسرائيلية لا تقتصر على أسباب فنية أو أمنية، بل تُستخدم كأداة للضغط الاقتصادي على الضفة الغربية. وأشاروا إلى تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في سبتمبر 2025 التي تعهد فيها باستخدام "جميع الأدوات" لمنع قيام دولة فلسطينية، بما في ذلك "الخنق الاقتصادي".
تأتي هذه الأزمة في سياق ضغوط اقتصادية متزايدة منذ اندلاع الحرب في غزة أكتوبر 2023، حيث ألغت إسرائيل معظم تصاريح العمل للفلسطينيين في أراضيها، وحجبت جزءاً من عائدات الضرائب والجمارك التي تجبيها نيابة عن السلطة الفلسطينية. وأدى ذلك إلى تفاقم الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، التي لم تتمكن من دفع رواتب موظفي القطاع العام كاملة لأكثر من عام.
تداعيات الأزمة على القطاع المصرفي والفردي
تتحمل البنوك الفلسطينية أعباء متزايدة لتخزين وتأمين كميات كبيرة من النقد غير القابلة للتحويل، ما يرفع تكاليفها التشغيلية ويحد من قدرتها على تقديم خدمات مصرفية فعالة. كما فرضت بعض البنوك قيوداً على قبول الإيداعات النقدية، مما دفع الأفراد والشركات إلى البحث عن بدائل للاحتفاظ بأموالهم، ما يزيد من تعقيد النشاط الاقتصادي ويضعف كفاءة الدورة النقدية في الضفة الغربية.