شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا ملحوظًا خلال تعاملات الجمعة، مع استمرار تعافيها لليوم الثاني على التوالي، مدعومة بتراجع محدود في قوة الدولار الأمريكي والعوائد الحقيقية على سندات الخزانة عقب صدور بيانات التضخم الأمريكية. هذا التغير دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على تشديد السياسة النقدية الأمريكية، رغم بقاء حالة عدم اليقين بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
ارتفاع الأسعار محليًا وعالميًا
أوضح الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، أن سعر جرام الذهب عيار 21 ارتفع بنحو 25 جنيهًا ليصل إلى 5725 جنيهًا، بينما سجل جرام عيار 24 نحو 6543 جنيهًا، وعيار 18 نحو 4907 جنيهات. كما بلغ سعر الجنيه الذهب 45800 جنيه. وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت أوقية الذهب بنحو 19 دولارًا لتصل إلى حوالي 4048 دولارًا، مع استعادة مستوى 4000 دولار بعد موجة خسائر حادة شهدها المعدن النفيس في الفترة الماضية.
وأرجع فاروق ارتفاع الأسعار محليًا إلى صعود الأوقية عالميًا وارتفاع العلاوة السعرية بالسوق المحلية إلى نحو 110 جنيهات، بالإضافة إلى تراجع سعر صرف الدولار بالبنوك إلى نحو 49.60 جنيه، مما حد من وتيرة ارتفاع الأسعار في السوق المصرية مقارنة بحركة الذهب عالميًا.
تأثير بيانات التضخم ومزاج المستثمرين
أدى صدور بيانات مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي (PCE) الأمريكية، وهو المقياس المفضل للاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، إلى تخفيف احتمالات تشديد السياسة النقدية بوتيرة أكبر، مع تراجع الدولار الأمريكي والعوائد الحقيقية على السندات، ما منح الذهب فرصة للارتداد بعد موجة بيع قوية. كما لعبت عمليات تغطية مراكز البيع دورًا في دعم الأسعار خلال الجلستين الماضيتين.
ومع ذلك، لا تزال الأسواق تتوقع بقاء السياسة النقدية الأمريكية متشددة لفترة أطول، حيث تشير أداة CME FedWatch إلى استمرار ترجيح رفع الفائدة خلال الأشهر المقبلة، رغم تراجع احتمالات رفعها مرتين هذا العام مقارنة بالأسبوع الماضي، مما يفسر استمرار التذبذب في أسعار الذهب.
توقعات وتحليلات مستقبلية
في سياق متصل، قالت إيوا مانثي، محللة السلع في بنك ING، إن التراجع الحاد للذهب في الأسابيع الماضية يعكس تركيز الأسواق على أسعار الفائدة المرتفعة وقوة الدولار أكثر من تغير في الأسس الاستثمارية للذهب. وأشار البنك إلى خفض توقعاته لمتوسط أسعار الذهب في النصف الثاني من 2026 إلى 4300 دولار للربع الثالث و4600 دولار للربع الرابع، مع الحفاظ على نظرة إيجابية متوسطة الأجل مدعومة بمشتريات البنوك المركزية وتحول الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار والمخاطر الجيوسياسية.
ويتوافق هذا مع تقرير مجلس الذهب العالمي الذي أكد استمرار الطلب الرسمي على الذهب عند مستويات تاريخية، حيث بلغ متوسط مشتريات البنوك المركزية نحو 1000 طن سنويًا خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، وهو ضعف متوسط العقد السابق. كما أظهرت بيانات الربع الأول من العام الجاري شراء نحو 244 طنًا من الذهب من قبل البنوك المركزية، مع نية 45% منها زيادة احتياطياتها خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.
تذبذب مستمر وسط عوامل دعم هيكلية
يرى مرصد الذهب أن الارتداد الأخير أعاد بعض الهدوء إلى السوق المحلية بعد موجة تراجع حادة، لكنه لا يشير إلى استعادة اتجاه صاعد واضح. فالذهب، كأحد أكثر الأصول المالية تقلبًا، يتأثر مباشرة بتوقعات أسعار الفائدة وتحركات الدولار والعوائد والتطورات الجيوسياسية، مما يجعل فترات الصعود والهبوط الحادة جزءًا طبيعيًا من دورة السوق.
ومن المتوقع استمرار حالة التذبذب مع ترقب المستثمرين للبيانات الاقتصادية الأمريكية الجديدة وتصريحات الاحتياطي الفيدرالي، ما يجعل قرارات البيع أو الشراء بدافع الخوف أو الطمع غير دائمًا في أفضل توقيت. ومع ذلك، تبقى العوامل الهيكلية الداعمة للذهب، مثل مشتريات البنوك المركزية وارتفاع الدين العالمي وحالة عدم اليقين الجيوسياسي، عوامل رئيسية قد تحد من تحول موجة التصحيح الحالية إلى اتجاه هابط طويل الأجل.
ويبقى العامل الحاسم هو مسار السياسة النقدية الأمريكية، حيث تشير التجارب التاريخية إلى أن الذهب يمر بدورات متعاقبة من الصعود والهبوط، مع بقاء قيمته على المدى الطويل مرتبطة بالمتغيرات الاقتصادية الكبرى أكثر من التقلبات اليومية.