في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد منخفض الكربون، أطلق معهد التخطيط القومي دراسة جديدة تستعرض التأثيرات المحتملة لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) على الصادرات المصرية من الأسمدة، وهو قطاع حيوي يشكل نسبة كبيرة من الصادرات الصناعية المصرية ويواجه تحديات مباشرة من التشريعات الأوروبية الجديدة.
أهمية الدراسة والتحديات التي تواجه قطاع الأسمدة
تأتي الدراسة في توقيت حاسم مع اقتراب بدء التطبيق الكامل لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، التي تهدف إلى فرض رسوم على الانبعاثات الكربونية للمنتجات المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي. وتسلط الدراسة الضوء على التأثيرات المحتملة على تنافسية الصادرات المصرية، لا سيما في قطاع الأسمدة الذي يعد من القطاعات كثيفة الانبعاثات، مما يفرض ضرورة تبني سياسات تدعم جاهزية الصناعة المصرية للامتثال للمعايير البيئية الجديدة وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز التنمية الصناعية المستدامة.
التحليل الاقتصادي والتجاري لصادرات الأسمدة المصرية
أظهرت بيانات الدراسة أن صادرات الأسمدة المصرية خلال الفترة من 2020 حتى 2024 بلغت 11.9 مليار دولار، ما يعادل 5.6% من إجمالي الصادرات المصرية البالغة 212.4 مليار دولار. وتحتل مصر نسبة 2.6% من إجمالي الصادرات العالمية للأسمدة التي بلغت 451.4 مليار دولار. كما تصدرت الأسمدة النيتروجينية قائمة الصادرات بحصة 75.6% وقيمة 9.0 مليار دولار، فيما بلغت نسبة الأسمدة النيتروجينية والمعدنية الخاضعة لآلية تعديل حدود الكربون 83% من إجمالي صادرات الأسمدة بقيمة 9.9 مليار دولار. وعلى المستوى الأوروبي، استحوذ الاتحاد الأوروبي على 45% من صادرات الأسمدة المصرية في عام 2024 بقيمة 992 مليون دولار من إجمالي 2185 مليون دولار.
فرص التحول نحو التصنيع منخفض الكربون
تشير الدراسة إلى أن التحول نحو تصنيع منخفض الكربون يشكل فرصة استراتيجية لتعزيز تنافسية الصادرات المصرية، وليس مجرد استجابة لضغوط الأسواق الخارجية. وتؤكد على أهمية الاستثمار في تقنيات خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة الطاقة، إلى جانب التوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة، كوسائل فعالة للحد من الآثار السلبية لآلية تعديل حدود الكربون، وضمان استقرار صادرات الأسمدة على المدى الطويل.
الشراكة الوطنية لتحقيق التحول الأخضر
تخلص الدراسة إلى أن نجاح تنفيذ سياسات خفض الانبعاثات يتطلب تعاونًا متكاملاً بين الحكومة والقطاع الخاص والقطاع المالي والمؤسسات البحثية والأكاديمية. حيث تلعب الحكومة دورًا رئيسيًا في صياغة التشريعات وتوفير الحوافز وإنشاء البنية التحتية اللازمة، بينما يساهم القطاع الخاص في الاستثمار في التقنيات النظيفة وتبني ممارسات الاقتصاد الدائري. كما يؤدي القطاع المالي دورًا هامًا في توفير التمويل الأخضر ودمج اعتبارات التغير المناخي في القرارات الاستثمارية. وتضطلع المؤسسات البحثية والأكاديمية بمسؤولية تطوير البرامج التعليمية والبحوث التطبيقية ودعم صناع القرار لتعزيز التحول نحو اقتصاد مستدام.
وقد أشرفت على إعداد الدراسة الأستاذة الدكتورة سحر البهائي، مدير مركز التخطيط والتنمية البيئية، بمشاركة فريق بحثي متعدد التخصصات من معهد التخطيط القومي وخبراء في مجالات الاقتصاد والبيئة والهندسة والتنمية المستدامة، ما يعكس النهج التكاملي والدقيق الذي اتبعته الدراسة في تقديم رؤى واضحة لصناع القرار.